بقلم : أحمد لوكيلي
رئيس لجنة الإعلام والتواصل للشبكة المغربية لحقوق الإنسان والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب – جهة الشرق
في خطوة غير مفهومة ولا مقبولة، خاصة إذا كانت دون موجب شرعي أو قانوني، أقدم مجلس إقليم الدريوش على سحب سيارة نقل مرضى السرطان التي كانت تسيرها الجمعية الإقليمية للوقاية ودعم مرضى السرطان بالدريوش،في قرار أثار موجة واسعة من الاستياء والقلق في أوساط المرضى وأسرهم والفاعلين الجمعويين والحقوقيين.
إن هذا الإجراء يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدوافع الحقيقية التي تقف وراءه،والمساطر القانونية التي تم اعتمادها لاتخاذه، والآثار الإنسانية والاجتماعية المترتبة عنه، في وقت يفترض فيه أن تحظى هذه الفئة الهشة بكل أشكال الدعم والمؤازرة، لا أن تُواجه بقرارات تزيد من معاناتها وتثقل كاهلها.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الصحي الخطير الذي يعيشه إقليم الدريوش، والذي تشير معطيات علمية وأكاديمية موثقة إلى كونه من أكثر المناطق المغربية تضررًا من داء السرطان. فقد ورد في كتاب “الحرب الكيماوية على الريف” أن ما يقارب 80٪ من مرضى السرطان بالمغرب ينحدرون من إقليم الدريوش، يليه إقليم الحسيمة ثم شفشاون وتطوان.
وهي أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الصحية التي لا تزال المنطقة تؤدي ثمنها إلى اليوم.
وقد أرجع عدد من الباحثين،وعلى رأسهم الدكتور أحمد الحمداوي، سليل إقليم الدريوش، والأستاذ رشيد رخا،وغيرهم من المساهمين في هذا العمل العلمي، أسباب هذا الارتفاع المهول في نسب الإصابة بالسرطان إلى القصف الكيماوي الذي تعرض له الريف من طرف المستعمرين الإسبان والفرنسيين، حيث تم قصف المنطقة بأزيد من 4000 طن من الغازات السامة، وعلى رأسها غاز الخردل،غاز اللوست، وغاز الكلوركرين، وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليًا.
في ظل هذا الواقع المأساوي،يصبح سحب سيارة نقل المرضى إلى مدينة وجدة لتلقي العلاجات قرارًا لا يمكن تبريره أخلاقيًا أو إنسانيًا، لأنه يمس بشكل مباشر حق المرضى في العلاج والتنقل، ويزيد من معاناتهم النفسية والجسدية،وهم الذين يكابدون أصلًا آلام المرض وتكاليفه الباهظة.
وتبقى عدة أسئلة جوهرية معلقة إلى حين صدور رد رسمي من مجلس إقليم الدريوش:
– ما ذنب مرضى السرطان حتى تُسحب منهم وسيلة نقلهم إلى العلاج؟
– ما الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا القرار؟
– متى سيتوقف العبث بحياة المواطنين، وخاصة المرضى والفئات الهشة؟
إن الواجب الإنساني والحقوقي يفرض على جميع الجهات المعنية والمختصة التدخل العاجل لإرجاع هذه الحافلة إلى الجمعية الإقليمية للوقاية ودعم مرضى السرطان بالدريوش،دون قيد أو شرط،ضمانًا لاستمرارية تنقل المرضى وفق برامجهم الاستشفائية المقررة من طرف الأطباء المشرفين على حالتهم الصحية، وردًا للاعتبار للمرضى وللجمعية التي تؤدي دورًا إنسانيًا نبيلًا في صمت.
فالكرامة الصحية حق أصيل لا يقبل المساومة، وحياة المرضى ليست مجالًا للتجاذبات أو القرارات غير المسؤولة،بل مسؤولية جماعية تستوجب الحكمة،والإنصاف،والضمير الحي.








